فلسطين أون لاين

ابتلاع الضفة: عنوان سِفر"يهودا والسامرة"

في الصراع على هذه الأرض، كثيراً ما حُسمت النتائج في مكاتب التسجيل قبل أن تُحسم في الميدان. والقرار الإسرائيلي بفتح مسار تسجيل الأراضي في الضفة الغربية يجب قراءته ضمن هذا المنطق المتراكم، لا بوصفه إجراءً إدارياً معزولاً. فالمسألة هنا تتعلق بإعادة تعريف الأرض نفسها، وبالنتائج السياسية التي ستترتب على ذلك بهدوء محسوب.

التجربة التاريخية تقدّم سابقة لا يمكن تجاهلها. بعد قيام دولة إسرائيل، جرى على مدى سنوات إعادة تشكيل عميقة لملكية الأرض داخل (الخط الأخضر) عبر منظومة قوانين، أبرزها قانون أملاك الغائبين لعام 1950، إضافة إلى أدوات استملاك وتنظيم ملكيات أخرى.

النتيجة التراكمية لهذه السياسات كانت انتقال معظم الأراضي، ولا سيما أراضي اللاجئين الفلسطينيين، إلى تصنيف أراضي دولة أو إلى إدارة هيئات عامة، حتى بات نحو ثلاثة وتسعين في المئة من مساحة الارض يُدار اليوم كأراض عامة. لم يحدث ذلك بضربة واحدة، بل عبر مسار قانوني متدرج بدا في ظاهره إدارياً، لكنه في جوهره أعاد تشكيل خريطة السيطرة.

هذه السابقة ليست استعادة للتاريخ بقدر ما هي مفتاح لفهم ما يجري الآن في الضفة الغربية.

القرار الجديد يفتح الباب أمام مؤسسات إسرائيلية، وعلى رأسها هيئة تسجيل وتسوية الحقوق في وزارة القضاء، للعمل المباشر في مناطق C التي تشكل نحو ستين في المئة من مساحة الضفة. وعلى الأرض، معنى ذلك بدء عملية مسح وتدقيق وتسجيل وفق المعايير الإسرائيلية. والتجربة المعروفة تقول إن ما لا يثبت وفق هذه المعايير ينتقل تدريجياً إلى خانة أراضي دولة، ومنها تبدأ دورة التخطيط والبناء والتوسع.

هنا تتضح نقطة التحول. ما كان يوصف لسنوات بأنه ضم زاحف يبدو اليوم وكأنه يتحول إلى ضم راكض، عبر تسريع وتشريع السيطرة في مناطق C. الفارق ليس لغوياً. الضم الزاحف كان يقوم على تراكم بطيء للوقائع الميدانية، أما الضم الراكض فيسعى إلى إحكام الغطاء القانوني بسرعة أعلى وببنية مؤسسية أوضح.

وتزداد خطورة هذه المرحلة إذا ما وُضعت في سياقها السياسي الداخلي في إسرائيل. فوجود بتسلئيل سموتريتش، المعروف بخلفيته الاستيطانية الأيديولوجية المتشددة، في موقعين مفصليين، على رأس وزارة المالية ومن موقعه المسؤول عن الإدارة المدنية في وزارة الجيش، يمنح هذه السياسة زخماً تنفيذياً غير مسبوق. الجمع بين القرار المالي وأدوات الإدارة الميدانية يخلق قدرة أعلى على ترجمة التوجهات الأيديولوجية إلى إجراءات عملية على الأرض، وهو ما يفسر تسارع الخطوات واتساع نطاقها.

في هذا المناخ، لم يعد الضغط على الأرض الفلسطينية وتضييق الحيز الجغرافي مسألة إجراءات متفرقة، بل مساراً أكثر اندفاعاً وأقل كوابح، ينعكس في ارتفاع وتيرة الإجراءات على الأرض وما يرافقها من احتكاكات واعتداءات تطال الإنسان والأرض معاً.

نحن أمام إعادة تشكيل للحيز الجغرافي الأكثر حساسية في الضفة، وهو الحيز الذي يفترض نظرياً أن يشكل العمود الفقري لأي دولة فلسطينية مستقبلية.

المعضلة التي تتكشف أن المسار الجاري يجعل من الصعب حشر دولة فلسطينية قابلة للحياة داخل خريطة الضفة، في الوقت الذي تتوسع فيه بنية ما يمكن وصفه عملياً بازدهار دولة المستوطنين من حيث شبكات الطرق والتخطيط والبنى التحتية. كل دونم يُعاد تعريفه اليوم يفتح مجالاً عمرانياً هناك ويغلق هامشاً جغرافياً هنا.

وفي موازاة ذلك، تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية سباقاً محموماً نحو مزيد من التطرف، حيث يتنافس فاعلون سياسيون على إظهار قرب أكبر من جمهور المستوطنين وخطابهم. في تجارب انتخابية سابقة، كان الفلسطينيون على جانبي الخط الأخضر، أفراداً وجماعات، وقوداً سهلاً لهذا التنافس، سواء في ما يتعلق بحقوقهم الفردية أو الجماعية. هذا المناخ الانتخابي يضيف بعداً سياسياً ضاغطاً يدفع باتجاه خطوات أكثر تشدداً على الأرض.

في الخلفية تعمل فلسفة إسرائيلية مجربة تقوم على فرض وقائع على الأرض ثم ترك الزمن يرسخها. السيطرة الميدانية أولاً، التثبيت القانوني ثانياً، ثم التوسع العمراني ثالثاً. ومع مرور الوقت، يتحول الأمر الواقع إلى نقطة انطلاق لأي نقاش دولي، مهما ارتفع منسوب الاعتراض في بدايته.

هذا النمط لا يقتصر على الضفة وحدها. فالمراقب يلحظ توازياً في التفكير الاستراتيجي بين ما يجري هنا وما يُطرح في سياق غزة، حيث يتقدم في الخطاب الإسرائيلي الحديث عن ترتيبات سكانية وأمنية بعيدة المدى. في الحالتين، يبرز العامل الديمغرافي بوصفه عنصراً حاضراً في الحسابات.

ومن هنا يتصاعد القلق الفلسطيني من أن تكون السياسة الجارية جزءاً من دفع متدرج نحو التيئيس والضغط الديمغرافي الذي قد يقود في النهاية إلى أشكال مختلفة من التهجير، المباشر أو غير المباشر، في الضفة كما في غزة. هذه القراءة تستند إلى نمط طويل من إدارة الصراع يقوم على التحكم بالأرض والسكان معاً.

في الوعي الإسرائيلي، لا يقتصر استخدام تسمية يهودا والسامرة على الخطاب الرسمي فقط، بل يمتد بوضوح إلى الخطاب الشعبي والسياسي والإعلامي، وهو ما يعكس ترسيخاً متدرجاً لرواية ترى في الضفة الغربية فضاء ذا امتداد تاريخي يتجاوز تعريفها بوصفها أرضاً محتلة قابلة للتفاوض. وعندما يلتقي هذا التصور مع أدوات قانونية فعالة وسيطرة ميدانية ممتدة منذ عقود، تتشكل معادلة قادرة على إعادة رسم الجغرافيا بهدوء ولكن بعمق.

ما يجري الآن لا يغيّر الخريطة دفعة واحدة، لكنه يغيّر قواعد تشكيلها. وإذا استمر المسار بالوتيرة الحالية، فإن التحدي الأكبر لن يكون فقط في وقف التوسع، بل في كيفية إعادة فتح مساحة سياسية كانت الأرض نفسها قد ضاقت بها.

الخلاصة الثقيلة أن الضم الزاحف، وفق المعطيات المتراكمة، يبدو أنه يدخل مرحلة أكثر تسارعاً وتنظيماً عبر تسريع وتشريع السيطرة في مناطق C. وفي صراعات من هذا النوع، قد تتحرك النصوص القانونية بهدوء، لكن آثارها تكون بعيدة المدى. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط ماذا سيتغير على الأرض، بل كم سيتبقى من الحيز الجغرافي قبل أن يصبح الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة نقاشاً فوق خرائط أُعيد رسمها بالفعل.

وفي ظل تعذر تحقيق العدالة الدولية ووقف مشروع الاستيطان، قد تتجه المواجهة الفلسطينية إلى البحث عن حلول خارج الصندوق. من بينها طرح حل السلطة وإعلان انتهاء أوسلو وإلقاء المفاتيح في وجه إسرائيل بوصفها المسؤول المادي والسياسي والأمني والاقتصادي عما يجري في الضفة، بحيث تدفع من جيبها ثمن الاحتلال كاملاً. عندها لن يبقى أمام المشهد إلا ثلاثة مسارات كبرى، دولة ثنائية القومية يتساوى فيها اليهود والعرب عدداً، أو دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، أو واقع أبارتهايد مفتوح على مصير يشبه ما انتهت إليه تجربة جنوب أفريقيا.

المصدر / فلسطين أون لاين